الشوكاني

12

فتح القدير

خبر إن من قوله ( إن الذين جاءوا بالإفك ) هو ( عصبة ) و ( منكم ) صفة لعصبة ، وقيل هو ( لا تحسبوه شرا لكم ) ويكون عصبة بدلا من فاعل جاءوا . قال ابن عطية : وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة ، وجملة لا تحسبوه ، وإن كانت طلبية ، فجعلها خبرا يصح بتقدير كما في نظائر ذلك ، والإفك أسوأ الكذب وأقبحه ، وهو مأخوذ من أفك الشئ إذا قلبه عن وجهه . فالإفك هو الحديث المقلوب ، وقيل هو البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية ما وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين ، وإنما وصفه الله بأنه إفك ، لأن المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك ، قال الواحدي : ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب والسبب لا القذف ، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه ، فهو إفك قبيح وكذب ظاهر ، والعصبة : هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، والمراد بهم هنا عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم . وقيل العصبة من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل من عشرة إلى خمسة عشر ، وأصلها في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض ، وجملة ( لا تحسبوه شرا لكم ) إن كانت خبرا لأن فظاهر ، وإن كان الخبر عصبة كما تقدم فهي مستأنفة ، خوطب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أم المؤمنين وتسلية لهم ، والشر ما زاد ضره على نفعه ، والخير ما زاد نفعه على ضره ، وأما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة ، والشر الذي لا خير فيه فهو النار ، ووجه كونه خيرا لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين وصيرورة قصتها هذه شرعا عاما ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) أي بسبب تكلمه بالإفك ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) قرأ الحسن والزهري وأبو رجاء وحميد الأعرج ويعقوب وابن أبي علية ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن بضم الكاف ، قال الفراء : وهو وجه جيد ، لأن العرب تقول : فلان تولى عظيم كذا وكذا : أي أكبره ، وقرأ الباقون بكسرها . قيل هما لغتان ، وقيل هو بالضم معظم الإفك ، وبالكسر البداءة به ، وقيل هو بالكسر الإثم . فالمعنى : إن الذي تولى معظم الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما . واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم ؟ فقيل هو عبد الله بن أبي ، وقيل هو حسان ، والأول هو الصحيح . وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة ، وهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش . وقيل جلد عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولم يجلد مسطحا ، لأنه لم يصرح بالقذف ، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح . وقيل لم يجلد أحدا منهم . قال القرطبي : المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذين حدوا : حسان ومسطح وحمنة . ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي ، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة ، قالت : لما نزل عذري ، قام